ابن تيمية

45

مجموعة الرسائل والمسائل

يتكلم بمشيئته وقدرته ممن يكون الكلام لازماً لذاته ليس عليه قدرة ولا له فيه مشيئته ، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له ، ولا يكون الموصوف متكلماً عالماً قادراً إلا بما يقوم به من الكلام والعلم والقدرة ، وإذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفاً بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفاً بها لو كان حدوثها ممكناً ، فكيف إذا كان ممتنعاً ؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال ، منعوتاً بنعوت الجلال ، ومن أجلها الكلام ، فلم يزل متكلماً إذا شاء ولا يزال كذلك ، وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي ، وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقاً منفصلاً عنه ، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها . فصل ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين ، وسبب نزاعهم أمران : أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذي يتكلم الله به فيسمع منه ، وبين ما إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ ، فإن القرآن كلام الله تكلم به بلفظه ومعناه بصوت نفسه ، فإذا قرأه القراء قرؤوه بأصوات أنفسهم . فإذا قال القارئ " الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم " كان هذا الكلام المسموع منه كلام الله لا كلام نفسه ، وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله ، فالكلام كلام البارئ ، والصوت صوت القارئ ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " وكان يقول : " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " وكلا الحديثين ثابت ، فبين أن الكلام الذي بلغه كلام ربه وبين أن القارئ يقرأه بصوت نفسه ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال أحمد والشافعي وغيرهما : هو تحسينه بالصوت ، قال أحمد بن حنبل :